القرطبي

135

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

السادسة - أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه ، وافتتح كتابه بحمده ، ولم يأذن في ذلك لغيره ، بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال : " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " ( 1 ) . وقال عليه السلام : ( احثوا في وجوه المداحين التراب ) رواه المقداد . وسيأتي القول فيه في " النساء " ( 2 ) إن شاء الله تعالى . فمعنى " الحمد لله رب العالمين " أي سبق الحمد مني لنفسي أن يحمدني أحد من العالمين ، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة ، وحمدي الخلق مشوب بالعلل . قال علماؤنا : فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار . وقيل : لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده ، حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل ، فاستفراغ طوق عباده هو محل العجز عن حمده . ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله : ( لا أحصى ثناء عليك ) . وأنشدوا : إذا نحن أثنينا عليك بصالح * فأنت كما نثني وفوق الذي نثني وقيل : حمد نفسه في الأزل لما علم من كثره نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم ، لتكون النعمة أهنأ لديهم ، حيث أسقط عنهم به ثقل المنة . السابعة - وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من " الحمد لله " . وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج : " الحمد لله " بنصب الدال ، وهذا على إضمار فعل . ويقال : " الحمد لله " بالرفع مبتدأ وخبر ، وسبيل الخبر أن يفيد ، فما الفائدة في هذا ؟ فالجواب أن سيبويه قال : إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك : حمدت الله حمدا ، إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله ، والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله . وقال غير سيبويه . إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا ، فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال . وفي الحديث : ( من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) . وقيل : إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده ، فالمعنى على هذا : قولوا الحمد لله . قال الطبري : " الحمد لله "

--> ( 1 ) آية 32 سورة النجم . ( 2 ) راجع ج 5 ص 246